محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

166

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

أما فخر الدين الرازي فيسهب في المناقشات الفلسفية واللاهوتية حول نماذج المعرفة ودرجاتها وأنماطها وذلك انطلاقا من الموضوع المركزي للقصة أو للحكاية الواردة في الآية التالية : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ سورة الكهف ، الآية 65 ] . نلاحظ هنا أن النزعة الواقعية تحافظ على أولويتها لدى المفسّرين القدامى . فمثلا ، ما ذا يقولون عن القرية التي أبت أن تستضيف موسى والخضر ؟ إنهم يحدّدونها فورا بالاسم ويقولون إنها إما أنطاكية وإما إيلات . ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن مراحل الحكاية المتمثّلة بخرق السفينة وإغراق أهلها ، ثم قتل الغلام ، ثم الضيافة الممنوعة ، ثم الجدار الذي أقامه بدون أجر ( سورة الكهف ، الآيات 71 - 77 ) . فهنا أيضا نلاحظ أن المفسّرين المسلمين القدامى لا يقرءونها بصفتها مجرد « مقاطع سردية » ، وإنما ينظرون إليها أو يفسّرونها كحالات معاشة يستمد منها عالم اللاهوت والفقيه الأحكام التي ينبغي أن يتقيّد بها المسلمون في الحياة الأرضية . فمثلا يطرح فخر الدين الرازي هذا التساؤل في ما يخصّ خرق السفينة ويقول بما معناه : هل يحقّ للأجنبي أن يتدخل في أملاك الآخرين لتحقيق غرض مشابه ؟ ثم يجيب الرازي : ربما كان مثل هذا السلوك مقبولا في الشرع الذي تتضمنه الحكاية . ومثل هذا الرأي ليس عصيا على التصوّر أو القبول في شرعنا الديني . 4 - لكي يحدّد من هو ذو القرنين « * » ، بطل الحكاية الثالثة الواردة في سورة الكهف ، نلاحظ أن الطبري يشير إلى حكاية تأطيرية مستقلة عن السابقة . وطبقا لها فإن بعض « أهل الكتاب » جاءوا لكي يسألوا النبي عمّا يقوله الكتاب المقدس عن ذي القرنين . وقد استقبلهم النبي بحضور بعض الصحابة وقال لهم : « إنه فتى من أصل رومي جاء لكي يبني مدينة الإسكندرية . . . » ( تفسير الطبري ، الجزء السادس عشر ، ص 6 - 7 ) . وقد استشهدوا بأحاديث نبوية عديدة لتفسير هذه التسمية : ذو القرنين . نلاحظ أن الرازي يقتصر على القصة التأطيرية الأولى ويقول بأن الأمر يتعلق بالإسكندر ، ابن فيليب الإغريقي . ويضرب على ذلك كبراهين الآيات 85 - 86 ثم 94 ، حيث يقول القرآن بأن البطل وصل إلى مغرب الشمس ومشرقها ، أو بالأحرى مطلعها بحسب التعبير القرآني ، ثم وصل إلى بين السدّين ، أي إلى الشمال الأقصى حيث يعيش الشعب التركي المدعو بيأجوج ومأجوج « * * » . ويقال

--> * في كتابه القاموس التاريخي للإسلام يرى دومينيك سورديل أن ذا القرنين المذكور في القرآن ما هو إلا الإسكندر الأكبر أو الإسكندر المقدوني . وأما يأجوج ومأجوج فهما اسمان لشعبين كان قد ذكرا في التوراة في سفر التكوين ، وسفر حزقيال . انظر : Dictionnaire : Sourdel Janine Dominiqueet . 317 et 61 - 60 . pp ، 1996 ، . P . U . F ، Paris ، lIslam de historique * * في الأسطورة التوراتية يقال لنا بأن شعبي يأجوج ومأجوج سوف ينزلان من جهة الشمال في نهاية الأزمان لكي يهاجما شعب إسرائيل . ولكن « يهوه » ، أي رب إسرائيل ، سوف يدافع عن شعبه . وقد استعاد القرآن هذه القصة في مقطعين من مقاطعه ، الأول من سورة الكهف : قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ -